دواء جديد يخفض الدهون الثلاثية الخطيرة في الدم بنسبة كبيرة
منوعات
دواء جديد يخفض الدهون الثلاثية الخطيرة في الدم بنسبة كبيرة
23 كانون الثاني 2026 , 13:51 م

تمكّن باحثون من تطوير دواء فموي جديد يعمل على تعديل مسار رئيسي يتحكم في الدهون داخل الكبد والأمعاء، مما أدى إلى خفض كبير في مستويات الدهون الثلاثية الضارة في الدم، وذلك دون التأثير السلبي على نقل الكوليسترول المفيد في الجسم.

وأظهرت النتائج الأولية لأول تجربة بشرية أن الدواء قادر على تقليل الدهون الثلاثية بنحو 40%، في خطوة قد تمثل تحولا مهما في علاج اضطرابات الدهون وأمراض التمثيل الغذائي.

كيف تتكوّن الدهون الثلاثية ولماذا تصبح خطيرة؟

عند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة خصوصا القادمة من الكربوهيدرات، والسكريات، والدهون، والكحول إلى جزيئات تُعرف باسم الدهون الثلاثية. وهي نوع من الدهون (الليبيدات) يتم تخزينها في الخلايا الدهنية لاستخدامها كمصدر للطاقة بين الوجبات.

لكن ارتفاع هذه الدهون عن المعدلات الطبيعية قد يؤدي إلى حالة تُعرف باسم فرط ثلاثي الغليسريد في الدم، وهي حالة مرتبطة بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب، والسكتة الدماغية، والتهاب البنكرياس.

ولهذا السبب يُنصح عادة باتباع نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني، بينما تتطلب الحالات الشديدة تدخلا دوائيا.

مستقبلات LXR ودورها في تنظيم الدهون

يعتمد توازن دهون الدم على معادلة دقيقة بين كمية الدهون التي تدخل مجرى الدم وسرعة التخلص منها. حيث يقوم الكبد والأمعاء بإطلاق جزيئات ناقلة للدهون إلى الدم، ثم تعمل إنزيمات متخصصة على تفكيكها لإزالتها.

وعندما ينتج الجسم دهونا أكثر مما يستطيع معالجته، تتراكم الدهون الثلاثية، مما قد يؤدي إلى اضطرابات مثل:

اضطراب شحوم الدم

التهاب البنكرياس الحاد

مرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي (MASLD)

ويُعد مستقبل الكبد X (LXR) من العناصر التنظيمية الرئيسية في هذه الشبكة، إذ يتحكم في عدة جينات مسؤولة عن إنتاج الدهون وإدارتها داخل الجسم.

التحدي في استهداف مستقبل LXR دوائيا

تنشيط مستقبل LXR يؤدي عادة إلى ارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم. وعلى الرغم من أن تقليل نشاطه قد يبدو خيارا علاجيا منطقيا، فإن المشكلة تكمن في أن LXR يلعب أيضا دورا وقائيا في أنسجة أخرى من الجسم.

لذلك، فإن تعطيله بشكل كامل قد يسبب آثارا جانبية غير مرغوبة، وهو ما جعل من الصعب تطوير دواء آمن يستهدف هذا المستقبل.

دواء جديد يستهدف الكبد والأمعاء بدقة

قاد فريق بحثي بقيادة البروفيسور يوهان أوفيركس من المدرسة الفيدرالية التقنية في لوزان (EPFL)، وبالتعاون مع ماني سوبرامانيان من شركة OrsoBio، تطوير مركب فموي جديد يُعرف باسم TLC-2716.

صُمم هذا الدواء ليقلل نشاط مستقبل LXR بشكل أساسي في الكبد والأمعاء فقط، مع الحفاظ على المسارات الوقائية للكوليسترول في بقية الجسم.

ويُصنف TLC-2716 على أنه ناهض عكسي (Inverse Agonist)، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه إلى إرسال إشارات عكسية تقلل من نشاطه الأساسي.

من البيانات الجينية إلى التجارب المخبرية

بدأ الباحثون بتحليل قواعد بيانات جينية بشرية ضخمة لتحديد أي نوع من مستقبلات LXR يرتبط بارتفاع الدهون الثلاثية. وأظهرت النتائج أن المتغير الجيني LXRα، والذي يُعبّر عنه بكثافة في الكبد، هو الأكثر ارتباطًا بهذه المشكلة.

وأكدت تقنية العشوائية المندلية (Mendelian Randomization) وجود علاقة سببية مباشرة بين ارتفاع نشاط LXRα وزيادة الدهون الثلاثية واضطرابات التمثيل الغذائي.

نتائج واعدة في النماذج الحيوانية والبشرية

في نماذج القوارض المصابة بأمراض استقلابية، أدى استخدام TLC-2716 إلى:

خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم

تقليل تراكم الدهون في الكبد

كما أظهرت التجارب على عضويات كبد بشرية مخبرية انخفاضًا في تراكم الدهون والالتهاب والتليّف.

وأظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز بشكل كبير في الكبد والأمعاء، ما يقلل من مخاطره على باقي أنسجة الجسم.

نتائج أول تجربة بشرية

مهّدت النتائج المخبرية الطريق لإجراء دراسة سريرية من المرحلة الأولى، عشوائية ومضبوطة بالدواء الوهمي، على متطوعين أصحاء.

تلقى المشاركون الدواء لمدة 14 يوما بجرعة واحدة يوميا، وركزت الدراسة على السلامة والتحمّل، ونجح الدواء في تحقيق هذه الأهداف الأساسية.

ورغم قصر مدة التجربة، كانت النتائج لافتة:

انخفاض الدهون الثلاثية بنسبة وصلت إلى 38.5%

انخفاض كوليسترول البقايا بعد الأكل بنسبة وصلت إلى 61%

تحسن سرعة التخلص من الدهون من الدم

وذلك دون التأثير السلبي على الجينات المرتبطة بنقل الكوليسترول المفيد.

آفاق علاجية مستقبلية

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستهداف الانتقائي لمستقبل LXR في الكبد والأمعاء قد يشكل نهجا علاجيا جديدا ومكمّلا للعلاجات الحالية لدهون الدم المرتفعة.

وتدعم بيانات المرحلة الأولى الانتقال إلى دراسات المرحلة الثانية، خصوصا لدى المرضى المصابين بفرط الدهون الثلاثية ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي، مع الحاجة إلى تجارب أوسع لتأكيد الفعالية والسلامة.